فخر الدين الرازي

424

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأيضا المكلف لا يمكن أن ينفك عن الايمان والكفر ، فلما دلت الآية على القرب لزم حصول الكفر . وقال الواحدي في « البسيط » : هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره ، لأنه تعالى لم يطلق القول بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين ، لإظهارهم القول بلا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه . ثم قال تعالى : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ والمراد أن لسانهم مخالف لقلبهم ، فهم وإن كانوا يظهرون الايمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر . ثم قال : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ . فإن قيل : إن المعلوم إذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر ، فما معنى قوله : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ . قلنا : المراد أن اللّه تعالى يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 168 ] الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 168 ) اعلم أن الذين حكى اللّه عنهم أنهم قالوا : لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ [ آل عمران : 167 ] وصفهم اللّه تعالى بأنهم كما قعدوا واحتجوا لقعودهم ، فكذلك ثبطوا غيرهم واحتجوا لذلك ، فحكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا لإخوانهم إن الخارجين لو أطاعونا ما قتلوا ، فخوفوا من مراده موافقة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في محاربة الكفار بالقتل لما عرفوا ما جرى يوم أحد من الكفار على المسلمين من القتل ، لأن المعلوم من الطباع محبة الحياة فكان وقوع هذه الشبهة في القلوب يجري مجرى ما يورده الشيطان من الوسواس ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في محل الَّذِينَ وجوه : أحدها : النصب على البدل من الَّذِينَ نافَقُوا [ آل عمران : 167 ] وثانيها : الرفع على البدل من الضمير في يَكْتُمُونَ [ آل عمران : 167 ] وثالثها : الرفع على خبر الابتداء بتقدير : هم الذين ، ورابعها : أن يكون نصباً على الذم . المسألة الثانية : قال المفسرون : المراد ( بالذين قالوا ) عبد اللّه بن أبي وأصحابه ، وقال الأصم : هذا لا يجوز لأن عبد اللّه بن أبي خرج مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في الجهاد يوم أحد ، وهذا القول فهو واقع فيمن قد تخلف لأنه قال : الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا أي في القعود ما قتلوا فهو كلام متأخر عن الجهاد ، قاله لمن خرج إلى الجهاد ولمن هو قوي النية في ذلك ليجعله شبهة فيما بعده صارفاً لهم عن الجهاد . المسألة الثالثة : قالوا لإخوانهم : أي قالوا لأجل إخوانهم ، وقد سبق بيان المراد من هذه الأخوة ، الأخوة في النسب ، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدار ، أو في عداوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم أو في عبادة الأوثان ؟ واللّه أعلم . المسألة الرابعة : قال الواحدي : الواو في قوله : وَقَعَدُوا للحال ومعنى هذا القعود القعود عن الجهاد يعني من قتل بأحد لو قعدوا كما قعدنا وفعلوا كما فعلنا لسلموا ولم يقتلوا ، ثم أجاب اللّه عن ذلك بقوله : قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فإن قيل : ما وجه الاستدلال بذلك مع أن الفرق ظاهر فإن التحرز عن القتل ممكن ، أما التحرز عن الموت فهو غير ممكن البتة ؟